أحمد مع شريكته سهيلة. بإذن خاص للمنصة

أحمد سمير سنطاوي: طريق إلى الشمس ينتهي في الزنزانة

كانت سهيلة في بلجيكا تضع اللمسات الأخيرة على رحلتها إلى مصر في أول فبراير/ شباط لقضاء إجازة في سيوة خططت لها طويلًا مع حبيبها المصري الذي يدرس في النمسا، عندما داهم رجال الأمن منزله في القاهرة وفتشوه، وتركوا له رسالة يطلبون منه فيها زيارتهم.

حدثت هذه المداهمة بعد خمسة أسابيع من عودة أحمد سمير سنطاوي، طالب الماجستير الذي يُعدُّ رسالته عن تحريم الإجهاض في مصر بين القانون والشريعة والمجتمع في الجامعة المركزية الأوروبية CEU بالنمسا، إلى مصر يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول الماضي عبر مطار شرم الشيخ. هناك، استوقفه الأمن وجرت تحقيقات غير رسمية معه حول ما يدرسه في الخارج "دردشة عبارة عن ساعتين، ووقتها اتعامل كويس جدًا، واتسأل هو بيدرس إيه بره، وتخيل إنه إجراء روتيني لأي حد راجع من بره"، كما أوضحت للمنصة سهيلة، التي ظلت على اتصال بأحمد حتى اليوم الأخير قبل اختفائه.

ولكن بعد نحو خمسة أسابيع، وبينما كان أحمد (29 سنة) يقضي إجازةً في مدينة دهب، داهمت قوة أمنية في 23 يناير/ كانون الثاني منزله في التجمع الخامس وفتشته، وتركت له رسالة للحضور إلى مكتب ضابط الأمن الوطني في القسم، وعند عودته للمنزل في 30 يناير، قرر الاستجابة للرسالة والذهاب للقسم، بحسب شقيقه عبد الرحمن.

عندما ذهب أحمد إلى القسم أول مرة "يوم 30 يناير، طلبوا منه في القسم ييجي مرة تانية يوم الاتنين 1 فبراير، واحنا ما كانش عندنا أي مخاوف بدليل إنه راح بنفسه القسم، فقلنا إنها هتكون مناقشات عادية وهيرجع" يضيف عبد الرحمن.

وبدلًا من أن يذهب أحمد يوم 1 فبراير إلى المطار ليستقبل شريكته، توجه إلى القسم مجددًا، ليختفي بعدها أربعة أيام تحولت فيهم رحلة سهيلة إلى رحلة للبحث عن شريكها، الذي ينكر القسم وجوده بداخله، حتى ظهر صباح اليوم الخامس في مقر نيابة أمن الدولة، ومعه قائمة الاتهامات المكررة، وأمر بالحبس 15 يومًا.

قرار اتهام أحمد بالانضمام إلى جماعة إرهابية وإذاعة أخبار كاذبة اتخذ بعد تحقيقات استمرت لنصف ساعة، وفقًا لما قاله نبيه الجنادي، المحامي الذي حضر التحقيقات "قال قدام وكيل النيابة إنه اتضرب كذا مرة على وشه بالقلم خلال وجوده في مكتب الأمن الوطني في التجمع، لكن محضر التحقيق أصلًا اتعمل قبل ظهوره بيوم مش يوم اختفاءه، على الرغم من تقدم أسرته ببلاغات باختفائه".

تحول أحمد من طالب عاد ليقضي عطلته الدراسية في بلده، إلى مطلوب في اتهامات تتعلق بالإرهاب، لا تتفهم سهيلة أبعادها "أحمد بيدرس الماجستير في قضايا العلوم الاجتماعية، والتركيز على القوانين الإنجابية للمرأة في مصر، وحقها في الإجهاض، وده بعيد تمامًا عن الانتماءات السياسية أو إنه يتحط على ذمة قضية سياسية، مش مفهوم ومش مبرر".

أحمد سمير في فيينا. الصورة بإذن خاص للمنصة

تعرفت سهيلة، وهي بلجيكية الأصل، على أحمد للمرة الأولى في جامعة عين شمس، حيث كانا يدرسان معًا في كلية الآداب، وظلا على تواصل بعد تخرجهما عام 2012 حتى ارتبطا عاطفيًا في 2017 "أنا عايشة في مصر من وأنا عندي 10 سنين ودرست فيها، وبروح وباجي على بلجيكا، ومن قبل ارتباطي بأحمد وهو كان شغوف جدًا بالعلم ونفسه يدرس برة، وبدأ يدور على منح لحد ما اتقبل في واحدة منهم وسافر سنة 2019".

كان السفر لاستكمال الدراسة في الخارج حلمًا يطارد أحمد، ولكن مع اقتراب تحققه فعليًا بدأت تراوده مخاوف، وتردد كثيرًا في قبول الأمر، كما روت صديقته "كان ما بين حبه للسفر والدراسة وخوفه من إنه يسيب مصر وأهله وأصحابه، وأقنعته إنه لازم يجرب، وفي إجازات في الدراسة هيقدر ينزل، يعني مش هينفصل عن مصر تمامًا".

هذه المخاوف شاركها أحمد كذلك مع صديقه محمد عبد السلام، وهو مدير مؤسسة حرية الفكر والتعبير "نصحته ميفوتش الفرصة، وهو كان متردد علشان هيسيب صحابه وأهله والقهوة وعربيات الفول والشمس، بس لما اختار موضوع دراسته عن الإجهاض في مصر ما كانش هيكمل لأنه مش هيعجب أساتذته، فيضطر يشتغل على أي موضوع وخلاص".

يعرف كل أصدقاء أحمد أنه لا يرتاح في المدن الباردة، ويفضل دائمًا البقاء في أجواء مشمسة.

بدأت تجربة أحمد الأوروبية من بلجيكا ثم بودابست ثم النمسا حيث جامعته، ومع تنوع المدن التي أقام فيها تقول سهيلة "أنا فشلت أخليه يحب أوروبا، ودي كانت نقطة الخلاف بينا، هو كان شايف إن السفر ده مرحلة مؤقتة للدراسة وبعدين هيرجع مصر، حتى في المستقبل بعد الجواز لازم يكون لينا شقة في مصر".

ولكن رغم عدم رغبة أحمد في استمرار حياته في أوروبا، وحرصه على العودة إلى مصر مرتين خلال السنة والنصف التي قضاها في دراسة الماجستير، فإنه استطاع تكوين العديد من الصداقات هناك، حسبما تقول صديقته رضوى التي تعرفت في مصر وأصبحا صديقين مقربين، حتى سافرت إلى بودابست للدراسة ولحق هو بها أيضًا "طول الوقت قادر يكون صداقات كتير، كان متحدث لبق ودا خلى ليه أصدقاء كتير جدًا من جوة الجامعة"، وتتضح شعبيته من استجابة الكثير من زملائه لحملة حملة التدوين عنه، للمطالبة بإخلاء سبيله.

إحدى صديقاته اللاتي شاركن في حملة التدوين هذه كان اسمها ديڤا كتبت تقول إنها "كلما شعرت بخيبة أمل وإحباط، ذكّرني شغف أحمد بأهمية العمل الذي نقوم به. والأهم من ذلك مستوى الحب الذي أظهره لنا ولزملائه وكل من حوله، من المستحيل شرح تأثير أحمد على حياتنا والطريقة التي يبهج بها أيامنا، كان دائمًا جاهزًا بمزاحه لتخفيف حالتنا المزاجية، فلم تكن الأشهر الثمانية عشر الماضية التي كنا فيها أصدقاء أشهر سهلة، يمكنني دائمًا الاعتماد على أحمد لإضفاء الضياء على حياتي. لقد طبخ الكشري لنا، وسخرنا منه لارتدائه الدائم للشبشب، ولا يمكنني التفكير حقًا في الوقت الذي قضيته في CEU بدون التفكير في أحمد".

صورة من بوست ديڤا عن أحمد سمير على فيسبوك

تركت رضوى بودابست منذ فترة وذهب أحمد إلى فيينا أيضًا، ولكن صداقتها مع أحمد لم تنتهِ، فالأحاديث التليفونية ظلت مستمرة بينهما حتى أخبرها بزيارته لمصر "الحقيقة من اللي بنسمعه ومن القبضة الأمنية اللي ممكن تطول ناس كتير في مصر نصحته إنه بلاش يسافر في التوقيت ده، لكن هو كان مصمم يزور أهله وصحابه وإن مفيش حاجة هتمنعه عن ده، هو كرهه للبرد كمان كان بيخليه عاوز يهرب منه بأي شكل، ويسافر للجو الدافي في مصر اللي بيقدر يمارس فيه هواياته زي العوم والسفر والكتابة في الشمس، وكوباية الشاي على القهوة".

السفر والدراسة بالخارج ساعدا أحمد في زيادة شغفه بالعلم، ففي فترة دراسته، كان مهتمًا بإعداد دراسة عن المتاحف وفقًا لسهيلة "كان عاوزة يعملها عن ليه بنحط أشياء في أماكن خاصة بالمراقبة"، ثم توقفت سهيلة للحظات عن الحكي وكأنها تستعيد جزءًا من الذكريات، وتابعت بنبرة بين الحزن والضحك "كمان كان عاوز يعمل دراسة كوميدية عن ليه أوروبا مفيهاش شطافات"، الظواهر الاجتماعية التي كانت تدور حوله كانت تثير تساؤلاته، وكان دائم الكتابة والتدوين عنها.

إجازة أحمد كان مفترضًا أن تنتهي في منتصف يناير، ولكن بسبب الإغلاق المجدد لمواجهة الموجة الثانية من الجائحة، قرر مد الإجازة ليظل فترة أطول مع أسرته في شتاء مصر المشمس "لما لقى إن المحاضرات بقت أونلاين قرر يمد الإجازة شوية علشان يقعد مع أهله ويشوف صحابة ويشبع من مصر قبل ما يرجع، واتفقنا وقتها إني آجي مصر ونروح سيوة مع بعض".

سهيلة وأحمد - بإذن خاص للمنصة

توقيف أحمد في المطار لدى وصوله أثار مخاوف سهيلة "أنا شخص قلوق ولما عرفت إنه اتوقف في المطار خفت جدا، بس بدأت أطمن لما عدى وقت طويل ومحصلش حاجة، وتوقعنا إنه إجراء روتيني يمكن علشان ذكرى الثورة، بس القلق رجع تاني لما عرفنا إنه الأمن راح البيت وطلبه، وقتها معرفتش أفكر لما قالي إنه هيروح وبيطمني، واقترحت عليه يسأل محامين على إيه الأفضل".

حجزت سهيلة تذاكر السفر قبل مداهمة قوات الأمن للمنزل، وفي الليلة السابقة لذهاب أحمد للقسم، تحدثت معه واتفقا على برنامج الرحلة "كنا بنجهز برنامج الرحلة، ومش في دماغنا أي حاجة، وكل كلامه معايا إنهم عاوزيني في كلمتين وهارجع".

صباح الاثنين 1 نوفمبر كانت الفتاة في طريقها إلى المطار عندما فقدت الاتصال بأحمد "فجأة التليفون مقفول، وأنا بدأت أقلق، واتصل بأخوه وباباه وكلمة مفيش أخبار كانت بتقلق أكتر. مر أول يوم ومفيش جديد، ومع اليوم التاني القلق بيزيد والخوف بيزيد أكتر لما أخوه يروح القسم يسأل والقسم ينكر وجوده، طيب هو فين، وإيه اللي حصل، محدش فاهم ولا بيفهمنا".

غياب أحمد شكّل صدمة لسهيلة وأصدقائه وأسرته أيضا، فشقيقه الأصغر عبد الرحمن يفتقده، ولا يجد سببًا أو تفسيرًا لما يحدث سوى ملاحقة الباحثين والدارسين بالخارج أمنيًا "أحمد راح القسم بنفسه وكان عنده فرصه يهرب أو ميروحش لو كان خايف من حاجة أو له علاقة بأي عمل سياسي، لكن السبب الواضح إنه الدراسة في الخارج، بدليل إنه اتوقف في المطار وبعدها بأكتر من شهر قرروا يطلبوه".

ملاحقة الدارسين في الخارج والتضييق على البحث العلمي هو الاحتمال الذي يرجحه الجنادي، الذي حضر معه التحقيق بنيابة أمن الدولة، أكد للمنصة أنه "ما كانش عضو في حزب سياسي أو حركة وده بيأكد إن القبض عليه بسبب دراسته برة، ونوع من أنواع التضييق على الباحثين في الخارج بشكل عام".

مؤسسة حرية الفكر والتعبير أصدرت تقريرًا بشأن سياسة التضييق على الباحثين المصريين في الخارج، أشار إلى "تدهور لحرية البحث العلمي في مصر" وزيادة مخاوف العديد من الجامعات الدولية في التعاون مع الجامعات المصرية، أو إرسال باحثيها إلى مصر.

خمسة أيام من الإخفاء القسري، ظلت أسرة أحمد، بمن فيهم شريكته، لا تعرف مكانه حتى ظهر في نيابة أمن الدولة. وحتى هناك، فشلت سهيلة في رؤيته "معرفتش أشوفه لا في النيابة ولا القسم لأنه ظهر فجأة في النيابة وبعدين اختفى تاني ومعرفناش راح فين. فقررت أرجع بلجيكا تاني علشان يكون عندي وقت آخد فيه إجازة تانية من الشغل لما يطلع وأنزل أشوفه، ماسمعتش حتى صوته"، ولكنها لا تخفي مخاوف من أنه "لو ما خرجش دلوقتي وفي أسرع وقت هيكون تعب السنة ونص اللي فاتوا في الدراسة راح، وده حرام يحصل لحد نفسه يتعلم مش أكتر".